تحاول أن تتناول طعامًا صحيًا، وتبقى نشيطًا، وتلتزم بنصائح العافية العامة، ومع ذلك قد يظلّ هاجس المرض طويل الأمد حاضرًا في خلفية التفكير. ومن المقلق أحيانًا أن بعض عوامل الخطر خارج نطاق سيطرتك، مثل الجينات، وحتى فصيلة الدم. وعندما تتصدر العناوين فكرة أن فصيلة معينة قد ترتبط بانخفاض خطر السرطان، يظهر مزيج من الأمل والارتباك. قبل الوصول إلى استنتاجات سريعة، هناك تفصيل مهم يغفله كثيرون—وسنوضحه خطوة بخطوة.
فهم فصائل الدم ولماذا قد تكون مهمة
تُحدَّد فصيلة دمك وفق علامات (مستضدات) موجودة على سطح خلايا الدم الحمراء. وأكثر نظام شائع للتصنيف هو ABO، ويشمل:
- A
- B
- AB
- O
كما يمكن أن تكون كل فصيلة موجبة Rh أو سالبة Rh، لكن عند دراسة الأنماط الصحية على المدى الطويل يركز الباحثون غالبًا على مجموعة ABO نفسها.
هذه العلامات لا تقتصر على مساعدة الأطباء في اختيار الدم المناسب لعمليات النقل. إذ تشير أبحاث إلى أنها قد تؤثر أيضًا في مستويات الالتهاب، واستجابات المناعة، وطريقة تفاعل الخلايا داخل الجسم. وهنا تبدأ القصة في أن تصبح أكثر إثارة للاهتمام.

ماذا تقول الأبحاث عن فصيلة الدم وخطر السرطان؟
درست عدة أبحاث سكانية واسعة ما إذا كانت فصائل دم معينة ترتبط باختلافات في خطر الإصابة بالسرطان. وبحسب ما نُشر في مجلات طبية محكّمة، ظهرت بعض الاتجاهات:
- قد يرتبط أصحاب فصيلة O بانخفاض طفيف في خطر بعض السرطانات، وخاصة سرطان البنكرياس، مقارنةً بغير فصيلة O.
- أظهرت فصائل A وB وAB ارتباطات متواضعة بزيادة خطر بعض سرطانات الجهاز الهضمي في بعض المجموعات السكانية.
- هذه الفروق إحصائية ونسبية وليست ضمانات أو أحكامًا فردية.
لكن النقطة الأهم هي الآتية:
الفارق في الخطر غالبًا صغير. وفصيلة الدم عامل واحد ضمن عوامل كثيرة، بينما تؤثر أنماط الحياة عادةً تأثيرًا أكبر بكثير في النتائج الصحية العامة.
نظرة أدق على أبحاث سرطان البنكرياس
من أكثر النتائج تداولًا في هذا المجال ما يتعلق بسرطان البنكرياس. فقد أشارت دراسات رصدية متعددة إلى أن فصيلة O قد ترتبط بانخفاض نسبي بسيط في الخطر مقارنةً بفصائل A أو B أو AB.
ويعتقد الباحثون أن ذلك قد يرتبط بـ:
- اختلافات في مسارات الالتهاب
- تباين في إشارات الجهاز المناعي
- تفاعلات بين مستضدات فصائل الدم وبعض البكتيريا في الجهاز الهضمي
ومع ذلك، الارتباط لا يعني السببية. هذه الدراسات لا تثبت أن فصيلة الدم هي التي “تقرر” من سيصاب بالسرطان، بل تُظهر أنماطًا لوحظت عند متابعة مجموعات كبيرة من الناس. وهذا الفرق جوهري.

مقارنة فصائل الدم واتجاهات الخطر الملحوظة
فيما يلي ملخص مبسّط مبني على اتجاهات عامة في الأبحاث. هذا ليس أداة للتنبؤ الفردي، وإنما طريقة لفهم كيف يناقش العلماء أنماط الخطر:
- فصيلة O: انخفاض طفيف في خطر بعض سرطانات الجهاز الهضمي في بعض الدراسات
- السياق المهم: الفرق غالبًا محدود
- فصيلة A: ارتفاع طفيف في بعض الدراسات
- السياق المهم: عوامل نمط الحياة تبقى الأكثر تأثيرًا
- فصيلة B: نتائج متباينة بحسب السكان والمنطقة
- السياق المهم: لا يوجد نمط عالمي ثابت
- فصيلة AB: تُجمع أحيانًا مع “غير O” في بعض التحليلات
- السياق المهم: نسبة هذه الفصيلة أقل، ما قد يؤثر على قوة الاستنتاجات
في الواقع، تتأثر معظم أنواع السرطان بدرجة أكبر بكثير بـالسلوكيات والتعرّضات البيئية مقارنةً بفصيلة الدم وحدها.
لماذا فصيلة الدم ليست قدرًا محتومًا؟
من السهل أن تدفعنا العناوين الصحفية للاعتقاد بأن فصيلة الدم ترسم مستقبلنا الصحي. لكن البيولوجيا لا تعمل بهذه البساطة.
تطور السرطان عملية معقدة وغالبًا ما تتداخل فيها عوامل مثل:
- الاستعداد الوراثي
- التعرّضات البيئية
- الالتهاب المزمن
- النظام الغذائي والنشاط البدني
- التدخين والكحول
- التأثيرات الهرمونية
فصيلة الدم مجرد قطعة واحدة في أحجية كبيرة جدًا.
حتى في الدراسات التي تبدو فيها فصيلة O مرتبطة بانخفاض نسبي، فإن أشخاصًا من فصيلة O قد يُصابون بالسرطان بالفعل. وبالمقابل، يعيش كثيرون من فصائل A أو B أو AB حياة طويلة وصحية دون أمراض كبيرة.
والأمر أكثر تعقيدًا: بعض الأبحاث تشير إلى آثار “وقائية” لفصائل محددة في سرطانات معينة، بينما تكون النتائج محايدة أو مختلطة في سرطانات أخرى. العلاقة ليست شاملة ولا مطلقة.
دور الالتهاب والمناعة في الصورة الأكبر
الأمر لا يتوقف عند خلايا الدم الحمراء. فمستضدات فصائل الدم قد توجد أيضًا على سطح بعض الأنسجة، بما في ذلك بطانة الجهاز الهضمي. وقد يؤثر ذلك في كيفية تفاعل المناعة مع العدوى والتغيرات الخلوية.
ومن المعروف أن الالتهاب المزمن يساهم في تطور العديد من الأمراض. لذلك يفترض بعض العلماء أن فصائل الدم قد ترتبط بفروق طفيفة في الاستجابة الالتهابية.
لكن الأهم: عادات مثل التدخين والسمنة وسوء التغذية لها تأثير أقوى بكثير ومثبت علميًا على مستويات الالتهاب مقارنةً بفصيلة الدم وحدها.
بعبارة واضحة: اختياراتك اليومية غالبًا أهم من فصيلة دمك الموروثة.

ما الذي يمكنك التحكم به بدءًا من اليوم؟
هذا الجزء هو الأكثر فائدة—وغالبًا ما يُنسى عندما ينشغل الناس بفصيلة الدم. لا يمكنك تغيير مجموعة ABO، لكن يمكنك التأثير في عوامل كثيرة تربطها الأبحاث باستمرار بانخفاض خطر السرطان.
إليك عادات مدعومة بالأدلة وتوصي بها مؤسسات صحية كبرى:
-
اتباع نظام غذائي متوازن وغني بالألياف
تشير الأبحاث إلى أن الأنظمة الغذائية الغنية بالخضروات والفواكه والحبوب الكاملة والبقوليات ترتبط بنتائج صحية أفضل على المدى البعيد. ركّز على:- خضروات متنوعة الألوان
- حبوب كاملة بدلًا من الحبوب المكررة
- مصادر بروتين قليلة الدهون
- تقليل الأطعمة فائقة المعالجة
التحسينات الصغيرة يوميًا تُحدث فرقًا تراكميًا.
-
الحفاظ على نشاط بدني منتظم
الحركة تدعم المناعة، وتوازن الوزن، والتمثيل الغذائي. استهدف:- ما لا يقل عن 150 دقيقة نشاطًا متوسط الشدة أسبوعيًا
- تمارين تقوية العضلات مرتين أسبوعيًا
- تقليل فترات الجلوس الطويلة
لا يشترط التدريب القاسي؛ الاستمرارية أهم من الشدة.
-
تجنب التبغ والتعرض لدخانه
التدخين من أقوى عوامل الخطر لعدة أنواع من السرطان. الامتناع عنه يخفض المخاطر على المدى الطويل بغض النظر عن فصيلة الدم. وإن كنت غير مدخن، حاول تجنب التدخين السلبي قدر الإمكان. -
الاعتدال في شرب الكحول
يرتبط الإفراط في الكحول بزيادة خطر عدة سرطانات. إذا كنت تشرب، فالتزم بالاعتدال وفق الإرشادات الصحية العامة. -
اتباع برامج الفحص والكشف المبكر الموصى بها
الكشف المبكر يمكن أن يغيّر النتائج بشكل ملموس لبعض السرطانات. ناقش مع مختص صحي الفحوص المناسبة لعُمرك وتاريخك الشخصي والعائلي.
الأثر النفسي لعناوين “المخاطر الوراثية”
هناك بُعد عاطفي لا يقل أهمية. عندما يقرأ شخص أن فصيلة معينة “أقل خطرًا”، قد يشعر أصحاب الفصائل الأخرى بالقلق أو الإحباط—وهذا مفهوم.
لكن الخطر النسبي قد يبدو أكبر في العناوين مما هو عليه فعليًا. فحتى فرقٌ بسيط في النسبة المئوية لمرض نادر قد يعني أن الخطر المطلق ما يزال منخفضًا لدى معظم الناس.
لهذا السبب، وجود السياق ضروري. فهم الصورة الأوسع يساعد على تقليل القلق غير الضروري، ويعيد التركيز إلى ما يمكن فعله عمليًا.
إذن: أي فصيلة دم تُظهر أقل خطر مُلاحظ؟
وفق الاتجاهات البحثية الحالية، ترتبط فصيلة O في كثير من الدراسات بانخفاض نسبي طفيف في خطر بعض السرطانات، وبشكل خاص سرطان البنكرياس، مقارنةً بفصائل غير O.
لكن التفصيل الذي بدأنا به هو هذا:
أقوى عامل “وقائي” ليس فصيلة دمك، بل عاداتك اليومية.
فالدراسات واسعة النطاق تُظهر باستمرار أن عوامل نمط الحياة—مثل التدخين، ووزن الجسم، وجودة الغذاء، والنشاط البدني—تترك أثرًا أكبر بكثير على الصحة طويلة الأمد مقارنةً بمجموعة ABO وحدها.


