هل يمكن أن تؤثر فصيلة دمك على خطر الإصابة بالسرطان؟
يمسّ السرطان تقريبًا كل أسرة بشكلٍ ما، والقلق المستمر بشأن احتمال إصابتك به قد يبدو مرهقًا، خاصة عندما تفكر في كل العوامل التي لا يمكنك التحكم فيها. ما لا يعرفه الكثيرون هو أنّ أمرًا بسيطًا مثل فصيلة الدم – تلك المعلومة التي غالبًا ما نعرفها منذ الصغر – يرتبط في أبحاث واسعة النطاق باختلافات في احتمالات الإصابة بأنواع معينة من السرطان، مما يثير تساؤلًا: هل يمكن أن تكون فصيلة دمك تقلّل أو ترفع مخاطرك بصمت؟
الأخبار الإيجابية أن الدراسات العلمية على ملايين الأشخاص كشفت عن أنماط واضحة، وتبيّن أن فصيلة دم واحدة تتكرر كالأكثر ارتباطًا بانخفاض خطر الإصابة بعدة سرطانات شائعة. والمفاجأة الحقيقية تظهر عندما نفهم سبب ذلك، والأهم: ما هي الخطوات البسيطة التي يمكن لأي شخص اتخاذها للتركيز على ما يغيّر الصورة فعليًا لصالح صحته على المدى البعيد.

كيف ترتبط فصائل الدم بخطر السرطان؟
تُحدَّد فصيلة الدم وفق نظام ABO: A، B، AB، أو O، بناءً على نوع المستضدات الموجودة على سطح خلايا الدم الحمراء. هذه العلامات المجهرية لا تهم فقط عند نقل الدم؛ فقد اكتشف الباحثون أنها تؤثر أيضًا في طريقة استجابة الجسم للالتهاب، والتعامل مع البكتيريا، بل وحتى في سلوك بعض الخلايا مع مرور الوقت.
مع ذلك، لا يعني هذا الارتباط أن فصيلة دمك ترسم مصيرك الصحي. ما نتحدث عنه هنا هو أنماط إحصائية رُصِدت عند تحليل أعداد هائلة من الأشخاص، وليست أحكامًا فردية قاطعة.
في مراجعة علمية بارزة نُشرت عام 2014 في مجلة متخصصة في الوقاية من السرطان، جرى تحليل عشرات الدراسات، وظهر أن فصيلة الدم A ترتبط بزيادة طفيفة في خطر الإصابة بالسرطان بشكل عام، في حين بدت فصيلة الدم O مرتبطة بانخفاض هذا الخطر. مراجعات أخرى كبيرة، بما فيها بيانات من باحثين في جامعات عالمية مرموقة حول سرطان البنكرياس، أظهرت النمط نفسه في سرطان المعدة والبنكرياس والقولون وأنواع شائعة أخرى.
على مستوى الفرد، تبقى هذه الفروق محدودة؛ فاحتمال الإصابة بالسرطان طوال الحياة يظل منخفضًا نسبيًا للجميع. لكن عند النظر إلى بيانات السكان ككل، تظهر هذه الأنماط بشكل واضح ومتكرر.
فصيلة الدم ذات أقل ارتباط بخطر السرطان – ولماذا يهمك ذلك؟
تشير غالبية الدراسات إلى أن فصيلة الدم O تحمل أقل ارتباط إجمالي بعدة أنواع من السرطان مقارنةً بالفصائل الأخرى. ففي التحليلات التي جمعت نتائج مئات الآلاف من المشاركين، كان أصحاب فصيلة O أقل عرضة للإصابة ببعض السرطانات مقارنةً بحاملي الفصائل A وB وAB.
فيما يلي أبرز ما يميّز فصيلة O في الأبحاث:
- انخفاض مؤشرات بعض السرطانات: أظهرت دراسات متابعة ضخمة، من بينها دراسة لأكثر من 339 ألف شخص في تايوان، أن حاملي الفصائل غير O لديهم ارتباط أعلى بسرطان البنكرياس، بينما تكررت صورة أكثر "حماية" لدى أصحاب فصيلة O.
- حماية نسبية للجهاز الهضمي: تربط عدة مراجعات علمية فصيلة O بانخفاض خطر الإصابة بسرطان المعدة، ويُرجّح أن يكون ذلك مرتبطًا بطريقة تفاعل هذه الفصيلة مع بكتيريا شائعة مثل الملوية البوابية (H. pylori).
- ثبات النمط عبر شعوب مختلفة: سواء في الدول الغربية أو الآسيوية، تتكرر النتيجة نفسها تقريبًا: فصيلة O تحظى بمعدل ارتباط أقل مع عدد من سرطانات الجهاز الهضمي مقارنة بالفصائل الأخرى.
مع ذلك، فالصورة ليست أحادية الجانب. فصائل الدم الأخرى (A وB وAB) تظهر غالبًا ارتباطًا أعلى مع بعض السرطانات المحددة. هذا لا يعني أن حامل أي من هذه الفصائل "محكوم عليه"، بل يعني أن معرفة فصيلة الدم قد تضيف سياقًا مفيدًا عند مناقشة عوامل الخطر مع طبيبك.

مقارنة واضحة: كيف يبدو خطر السرطان وفق كل فصيلة دم؟
للتبسيط، هذه هي الأنماط التي تتكرر في المراجعات المجمّعة والدراسات الطولية الكبيرة:
- فصيلة الدم O: أقل ارتباط إجمالي بسرطانات المعدة، والبنكرياس، والقولون، والثدي في البيانات المجمّعة.
- فصيلة الدم A: أعلى ارتباط نسبي بسرطان المعدة والبنكرياس والمبيض.
- فصيلة الدم B: ارتباط مرتفع بسرطان البنكرياس وبعض النتائج المتعلقة بسرطان القولون والمستقيم.
- فصيلة الدم AB: نتائج متباينة، لكن غالبًا ما تظهر ارتباطًا أعلى بسرطان البنكرياس مع أنماط غير ثابتة للسرطانات الأخرى.
ولمزيد من الوضوح، إليك أمثلة نسبية مما تقترحه التحليلات:
- سرطان المعدة:
- فصيلة A: زيادة في الاحتمال قد تصل إلى 18%
- فصيلة O: انخفاض في الاحتمال يصل إلى نحو 16%
- سرطان البنكرياس:
- فصيلة A: احتمال أعلى بنحو 23%
- فصيلة O: احتمال أقل بما يصل إلى 25%
- الخطر الإجمالي للسرطان (وفق إحدى المراجعات):
- فصيلة A: ارتفاع بنحو 12%
- فصيلة O: انخفاض في الخطر يقارب 16%
من المهم التأكيد أن هذه الأرقام تستند إلى دراسات رصدية، أي أنها تُظهر ارتباطًا إحصائيًا، لا سببًا مباشرًا. ومع ذلك، فإن تكرار النتيجة نفسها عبر عقود من البحث يجعل هذه البيانات جديرة بالاهتمام.
لماذا يمكن أن تؤثر فصيلة الدم في خطر السرطان؟
يفترض العلماء أن المستضدات الموجودة على سطح خلايا الدم قد تغير طريقة استجابة الجهاز المناعي للالتهاب، أو تؤثر في الكيفية التي تتفاعل بها بعض البكتيريا والفيروسات مع أنسجة الجسم. ففصيلة الدم O مثلًا تفتقر إلى المستضدات A وB، ويعتقد بعض الباحثين أن هذا قد يقلل نقاط الارتباط التي قد تسهم في حدوث التهاب مزمن في بعض الأنسجة مع الزمن.
اللافت أن هذه الاختلافات البيولوجية نفسها تساعد في تفسير ميزات صحية أخرى مرتبطة بفصيلة O، مثل انخفاض خطر الإصابة ببعض مشكلات التخثر القلبي الوعائي. فصيلة دمك مكتوبة في حمضك الوراثي منذ الولادة، وتؤثر بشكل دقيق في تفاعلات خلوية كثيرة طوال حياتك.
لكن الجانب المشجّع هو أن فصيلة الدم ليست سوى جزء صغير جدًا من الصورة الكاملة لخطر إصابتك بالسرطان.
خيارات نمط الحياة التي تُحدِث الفارق فعلًا
بغض النظر عن فصيلة دمك، فإن سلوكياتك اليومية لها تأثير أكبر بكثير على خطر السرطان من أي اختلاف ناجم عن نظام ABO. فيما يلي عادات عملية مدعومة بعقود من الأبحاث في الصحة العامة يمكنك البدء بها من الآن:
- اعرف فصيلة دمك إن لم تكن تعرفها: فحص بسيط في المختبر أو اختبار منزلي موثوق يمكن أن يحددها خلال دقائق.
- اتباع غذاء غني بالنباتات: ركّز على الخضروات والفواكه الملونة، والحبوب الكاملة، والبقوليات لدعم صحة الخلايا وتقليل الالتهاب.
- النشاط البدني المنتظم: 30 دقيقة فقط من المشي السريع في معظم أيام الأسبوع كافية للمساعدة في خفض الالتهاب وتحسين المناعة.
- الابتعاد عن التبغ وتقليل الكحول: الامتناع عن التدخين تمامًا والحد من استهلاك الكحول إلى الحدود المنخفضة أو المتوسطة له تأثير كبير على خفض خطر عدة سرطانات.
- الالتزام بالفحوصات الدورية: مثل تنظير القولون، وتصوير الثدي، وفحوصات عنق الرحم وغيرها، وفق عمرك وتاريخ عائلتك المرضي.
- الحفاظ على وزن صحي وإدارة التوتر: عبر نوم كافٍ، ونشاط بدني، وممارسات بسيطة للاسترخاء واليقظة الذهنية.
هذه العادات مفيدة للجميع، بغض النظر عن فصيلة الدم، ومع مرور الوقت تتراكم آثارها لتوفير طبقة حماية حقيقية ضد العديد من الأمراض المزمنة، بما فيها السرطان.

الصورة الأوسع: فصيلة الدم مجرد إشارة من بين إشارات عديدة
رغم أن النتائج حول فصيلة الدم O تبدو مشجعة، يؤكد الخبراء أن العوامل القابلة للتعديل مثل التدخين، والنظام الغذائي، والحركة، والفحوصات الدورية هي التي تفسر الفوارق الأكبر في خطر السرطان بين الأشخاص.
تُظهر المراجعات الضخمة أن الفروق الطفيفة المرتبطة بفصيلة الدم تتضاءل أمام التأثير الهائل لعادات الحياة اليومية. لذلك، إن كنت من حاملي الفصائل A أو B أو AB، فليس هناك سبب للهلع؛ بل ركّز على ما يمكنك تغييره بالفعل. وإن كنت من أصحاب فصيلة O، يمكنك أن تعتبر البيانات خبرًا سارًا، لكن لا يزال عليك اتباع نفس مبادئ الحياة الصحية.
الخلاصة الجوهرية: المعرفة تمنحك قوة اتخاذ قرارات أفضل؛ سواء في الحوار مع طبيبك أو في اختياراتك اليومية.
الأسئلة الشائعة حول فصيلة الدم وخطر السرطان
هل يمكن لتغيير نظامي الغذائي أو نمط حياتي أن يغيّر فصيلة دمي لتقليل خطر السرطان؟
لا، فصيلة الدم ثابتة منذ الولادة وتحددها الجينات ولا يمكن تبديلها. الجانب الإيجابي أن العادات الصحية تفيد كل الفصائل دون استثناء، ويمكنها أن تغيّر ملف المخاطر الصحي لديك بدرجة ملموسة، بصرف النظر عن الفصيلة.
هل تؤثر فصيلة الدم في جميع أنواع السرطان بالطريقة نفسها؟
ليس كذلك. تظهر أقوى الارتباطات في سرطانات المعدة والبنكرياس وبعض سرطانات الجهاز الهضمي. أما بالنسبة لسرطانات أخرى مثل الرئة أو الجلد، فلا توجد حتى الآن روابط ثابتة وواضحة مع فصيلة الدم في معظم الدراسات.
ما مدى موثوقية هذه النتائج؟ وهل يجب أن أجري فحص فصيلة الدم فقط لأجل هذا السبب؟
تعتمد هذه النتائج على تحليلات ضخمة شملت مئات الآلاف من الأشخاص، مما يمنحها قوة إحصائية جيدة. لكن مع ذلك، لا يُنصح بإجراء فحص فصيلة الدم فقط من أجل تقييم خطر السرطان؛ فغالبية الناس يعرفون فصيلة دمهم من خلال تحاليل روتينية أو عند التبرع بالدم. من الأفضل اعتبار معرفة فصيلة الدم "معلومة إضافية" ضمن الصورة الكبيرة، لا سببًا منفردًا لإجراء فحوصات.
الخلاصة: ما الذي ينبغي أن يهمك فعليًا؟
تتفق الأبحاث المتاحة حتى الآن على أن فصيلة الدم O ترتبط بأقل خطر نسبي لعدد من السرطانات الشائعة، بينما تظهر الفصائل A وB وAB نمطًا من الزيادات الطفيفة في بعض الأنواع، خاصة سرطانات المعدة والبنكرياس والجهاز الهضمي.
ومع ذلك، فإن القصة الأساسية ليست الحرف المدوَّن في بطاقة فصيلة دمك، بل كيف تعيش كل يوم: ما تأكل، وكم تتحرك، وهل تدخن، وكيف تتعامل مع التوتر، وهل تلتزم بالفحوصات الوقائية.
الرسالة الأهم:
فصيلة دمك قد تعطيك "إشارة إضافية"، لكن مفاتيح الحماية الحقيقية من السرطان لا تزال في يديك أنت، في قرارات صغيرة تتكرر يومًا بعد يوم.


